الزركشي
47
البرهان
أسلوب مخصوص في الجزالة ، وبعضه على أسلوب يخالفه ، وكلام الله تعالى منزه ( 1 ) عن هذه الاختلافات ، فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره ، وعلى مرتبة واحدة في غاية الفصاحة ، فليس يشتمل على الغث والسمين ، ومسوق لمعنى واحد ، وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى ، وصرفهم عن الدنيا إلى الدين ، وكلام الآدميين يتطرق إليه هذه الاختلافات ، إذ كلام الشعراء والمترسلين إذا قيس عليه وجد فيه اختلاف في منهاج النظم ، ثم اختلاف في درجات الفصاحة ، بل في أصل الفصاحة حتى يشتمل على الغث والسمين ، فلا تتساوى رسالتان ولا قصيدتان ، بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة ، وأبيات سخيفة ، وكذلك تشتمل القصائد والأشعار على أغراض مختلفة ، لأن الشعراء والفصحاء ( في كل واد يهيمون ) ( 2 ) ، فتارة يمدحون الدنيا ، وتارة يذمونها ، وتارة يمدحون الجبن فيسمونه حزما ، وتارة يذمونه ويسمونه ضعفا ، وتارة يمدحون الشجاعة ويسمونها صراحة ، وتارة يذمونها ويسمونها تهورا ، ولا ينفك كلام آدمي عن هذه الاختلافات ، لأن منشأ هذه الاختلافات اختلاف الأغراض ، واختلاف الأحوال ، والإنسان تختلف أحواله ، فتساعده الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه ، ويتعذر عليه عند الإنقباض . ولذلك تختلف أغراضه فيميل إلى الشئ مرة ويميل عنه أخرى ، فيوجب اختلاف الأحوال والأغراض اختلافا في كلامه بالضرورة ، فلا تصادف اللسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة ، وهي مدة نزول القرآن ، فيتكلم على غرض واحد ، وعلى منهج واحد ، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرا " تختلف أحواله ، فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجد فيه اختلاف كثير ، فأما اختلاف الناس فهو تباين في آراء الناس لا في نفس القرآن ، وكيف يكون هذا المراد ، وقد قال تعالى : ( يضل به كثيرا " ويهدي به كثيرا " ) ( 3 ) ، فقد ذكر في القرآن أنه في نفسه